أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
9
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « وكلامه صحيح إلا أن فيه استدراكا وهو قوله : تفعله ولم يذكر مذهب البصريين » وهو أن وزنها فوعلة ولم ينبه على تفعلة : هل هي بكسر العين أو فتحها » قلت : لم يحتج إلى التنبيه لشهرتهما وإنما ذكر المستغرب . ويؤيد ما قاله الزمخشري من كونها أعجمية ما نقله الواحدي وهو أن التوراة والإنجيل والزبور سريانية فعربوها قال : « ولذلك يقولون فيها بالسريانية : تورى أيكلبون زفوتا » فعربوها إلى ما ترى . ثم القائلون باشتقاقهما اختلفوا : فقال بعضهم : التوراة مشتقة من قولهم : وري الزند إذا قدح فظهر منه نار . يقال « وري الزند » و « أوريته أنا » . قال تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ « 2 » فثلاثيه قاصر ورباعية متعد . وقال تعالى : فَالْمُورِياتِ قَدْحاً « 3 » ويقال أيضا : « وريت بك زنادي » فاستعمل الثلاثي متعديا إلا أن المازني زعم أنه لا يتجاوز به هذا اللفظ يعني فلا يقاس عليه فيقال : « وريت النار » مثلا . إذا تقرر ذلك فلما كانت التوراة فيها ضياء ونور يخرج به من الضلال « إلى » الهدى كما يخرج بالنور من الظلام إلى النور سمي هذا الكتاب بالتوراة وهذا هو قول الفراء وهو مذهب جمهور الناس . وقال آخرون : بل هي مشتقة من « وريت في كلامي » من التورية وهي التعريض . وفي الحديث : « كان إذا أراد سفرا ورى بغيره » « 4 » وسميت التوراة بذلك لأن أكثرها تلويحات ومعاريض وإلى هذا ذهب المؤرخ السدوسي « 5 » وجماعة . وفي وزنها ثلاثة أقوال : إحداها : - وهو قول الخليل وسيبويه - أن وزنها فوعلة وهذا الوزن قد وردت منه ألفاظ نحو : الدوخلة « 6 » والقوصرة « 7 » والدوسرة « 8 » والصومعة والأصل : وورية بواوين لأنها إما من وري الزند ، وإما من وريت في كلامي فأبدلت الواو الأولى تاء وتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا فصار اللفظ : توراة كما ترى وكتبت بالياء منبهة على الأصل كما أميلت لذلك وقد أبدلت العرب الياء من الواو في ألفاظ نحو : تولج وتبقور وتخمة وتكاة وتراث وتجاه وتكلان من : الولوج والوقار والوخامة والوكاء والوراثة والوجه والوكالة . ونظير إبدال الواو تاء في التورية إبدالها أيضا في قولهم لما تراه المرأة في الطهر بعد الحيض : « الترية » هي فعلية من لفظ الوراء لأنها ترى بعد الصفرة والكدرة . الثاني : - وهو قول الفراء - أن وزنها تفعلة بكسر العين فأبدلت الكسرة فتحة وهي لغة طائبة يقولون في الناصية : ناصاة وفي بقي : بقي قال الشاعر : 1163 - . . . * فجزت كمناصاة الأغرّ المشهر « 9 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 371 . ( 2 ) سورة الواقعة ، ( 71 ) . ( 3 ) سورة العاديات ، ( 2 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري 6 / 132 كتاب الجهاد باب من أراد غزوة ( 2947 ) ، ومسلم 4 / 2128 ، كتاب التوبة ( 54 - 2769 ) ، وقوله « ورّى » ستر وتستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره . ( 5 ) مؤرج بن عمر بن منيع بن حصين السدوسي النحوي كان عالما بالعربية إماما في النحو أحد الأئمة من أهل الأدب توفي ( 195 ) . انظر بغية الوعاة 2 / 305 . ( 6 ) الدّوخلة : البطنة . اللسان : دخل 1342 . ( 7 ) القوصرة والقوصرّة - مخفف ومثقل - وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البواري . اللسان : قصر ، 3650 . ( 8 ) الدّوسرة الذكر الضخم ، وكتيبة دوسر ، ودوسرة : مجتمعة . وقيل غير ذلك . اللسان ، دسر 1372 . ( 9 ) البيت لحريث بن عتاب كما في اللسان وهو عجز بيت صدره . لقد آذنت أهل اليمامة طيّىء * . . . انظر : لسان العرب مادة ( نصا ) .